خبيرة تنموية :لتحول الرقمي وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي يمثلان ركيزة أساسية لتسريع التحول نحو الاقتصاد الدائري

خبيرة تنموية :لتحول الرقمي وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي يمثلان ركيزة أساسية لتسريع التحول نحو الاقتصاد الدائري

قالت الدكتورة مروة الأنصاري، الخبيرة العالمية في تقنيات الطاقة والكربون، إن التحول الرقمي وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي يمثلان ركيزة أساسية لتسريع التحول نحو الاقتصاد الدائري وتعزيز تنافسية الشركات وسلاسل الإمداد، مؤكدة أن إدارة الكربون لم تعد مجرد التزام بيئي أو إجراء تنظيمي، وإنما أصبحت أداة اقتصادية قادرة على خلق قيمة مضافة، وخفض التكاليف، وتحسين كفاءة التشغيل، وجذب الاستثمارات.

وأوضحت الأنصاري، خلال مشاركتها في أسبوع مصر للأعمال المستدامة بجلسة بعنوان «من الكربون إلى القيمة: كيف تدعم الحلول الرقمية الاقتصاد الدائري وتنافسية سلاسل الإمداد؟»، أن العالم يشهد تحولًا في النظرة إلى الكربون، من اعتباره عبئًا ومصدرًا للمخاطر إلى التعامل معه باعتباره فرصة استثمارية ومحركًا للنمو الاقتصادي، مشيرة إلى أن التحدي الحقيقي لم يعد مقتصرًا على امتلاك التكنولوجيا أو إثبات قدرتها على تحقيق عوائد، وإنما يتمثل في تسريع تطبيقها والوصول إلى القيمة الاقتصادية في وقت أقصر.

وأضافت أنها أمضت نحو 20 عامًا في العمل بشركة «شل للطاقة»، وتولت في آخر مهامها منصب نائب رئيس تقنيات المستقبل على مستوى الشركة، حيث عملت في مجالات متعددة، شملت الطاقة المتجددة، والتقاط ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، وتقنيات التبريد ومواد التشحيم، والوقود الحيوي، ووقود الطيران المستدام.

وكشفت عن إطلاق شركة ناشئة متخصصة في تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى أنابيب الكربون النانوية، موضحة أن المشروع يستهدف تحويل الانبعاثات الكربونية من مشكلة بيئية إلى منتج صناعي ذي قيمة اقتصادية، يمكن استخدامه في البطاريات، وتقنيات الطيران والفضاء، والتطبيقات العسكرية، فضلًا عن صناعات الحديد والأسمنت والإطارات.

وأكدت أن هذه التطبيقات تعكس إمكانية تحويل الملوثات والانبعاثات إلى موارد اقتصادية تدخل في صناعات متعددة، بما يدعم توجهات الاقتصاد الدائري ويعزز كفاءة استخدام الموارد.

وأشارت إلى أنها تعتمد في مشروعها الجديد على الجمع بين التكنولوجيا المادية والحلول الرقمية، وهو ما وصفته بمفهوم «التكنولوجيا المادية الرقمية»، موضحة أن توظيف التعلم الآلي يتيح اكتشاف مواد جديدة والتعرف على خصائصها، وإجراء التجارب افتراضيًا من خلال تقنيات الواقع الافتراضي والتوأم الرقمي، قبل الانتقال إلى الاختبارات المعملية الفعلية.

وشددت على أن الهدف الأساسي من هذا التوجه هو اختصار الوقت وتسريع الوصول إلى النتائج، في ظل المنافسة العالمية المتزايدة، موضحة أن الشركات التي تتأخر في تبني التقنيات الحديثة قد تفقد فرصًا تنافسية واستثمارية مهمة، حتى وإن كانت تمتلك التكنولوجيا أو الموارد اللازمة لتطبيقها.

وفيما يتعلق بالعلاقة بين الاستدامة والتحول الرقمي، أكدت الأنصاري أن إدارة الكربون ومعايير الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة أصبحت محركات مباشرة للنمو الاقتصادي، لما توفره من فرص لتحسين الكفاءة التشغيلية، وتعزيز مرونة الشركات، ودعم تطبيقات الاقتصاد الدائري، وخفض التكاليف، إلى جانب بناء الثقة في العلامات التجارية وتحسين قدرتها على المنافسة.

وأضافت أن الالتزام بمعايير الاستدامة وتوفير بيانات موثقة بشأن الأداء البيئي يمنح الشركات فرصًا أفضل للحصول على التمويل، إذ أصبحت المؤسسات المصرفية والجهات الممولة تولي اهتمامًا متزايدًا بفحص مؤشرات الاستدامة والحوكمة قبل اتخاذ قرارات التمويل، مشيرة إلى أن استخدام الأدوات الرقمية في توثيق هذه البيانات يسرّع إجراءات الفحص والتقييم، وقد يساعد الشركات في الحصول على شروط تمويل أكثر ملاءمة.

وحذرت من مخاطر الادعاءات البيئية المضللة، المعروفة باسم «الغسل الأخضر»، مؤكدة أن الشركات التي تستهدف التصدير إلى الأسواق الأوروبية وغيرها من الأسواق التي تفرض متطلبات بيئية صارمة، تحتاج إلى أدلة وبيانات موثوقة تثبت التزامها بالمعايير البيئية، لأن العجز عن تقديم هذه الأدلة قد يؤثر سلبًا على قدرتها التنافسية ونفاذ منتجاتها إلى الأسواق.

واستعرضت الأنصاري تقريرًا حديثًا صادرًا عن مجموعة بوسطن الاستشارية، تناول مستويات تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في مختلف الدول، موضحة أن البيانات أظهرت أن مصر لا تزال في مرحلة مبكرة من تبني هذه التقنيات، وهو ما يعكس وجود فرص واسعة أمام الشركات والمؤسسات المصرية لتسريع التحول الرقمي والاستفادة من تطبيقاته الاقتصادية والصناعية.

ودعت الشركات المصرية إلى عدم تأجيل خطوات التحول الرقمي، والبدء في تحديد المجالات التي يمكن توظيف التكنولوجيا فيها لتحقيق عائد ملموس، مشيرة إلى أن العديد من الشركات والحكومات تحقق قيمة اقتصادية من خلال تحديد الاستخدامات العملية للتقنيات الرقمية وربطها باحتياجات العمل الفعلية.

وفي الوقت نفسه، حذرت من الانسياق وراء المبالغة في الترويج للذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن التكنولوجيا ليست حلًا واحدًا يناسب جميع الشركات والقطاعات، وأن بعض التطبيقات تحقق قيمة حقيقية، بينما قد تتحول تطبيقات أخرى إلى عبء مالي إذا لم يتم اختيارها وفقًا لاحتياجات المؤسسة وأهدافها التشغيلية.

وأوضحت أن الدراسات تشير إلى إمكانية مساهمة الأدوات الرقمية في خفض الانبعاثات الكربونية في القطاعات الرئيسية بنسب تتراوح بين 4% و10% بحلول عام 2030، مع وجود إمكانات لتحقيق تخفيضات تصل إلى 20% في بعض التطبيقات، من خلال تحسين إدارة الموارد ورفع كفاءة العمليات التشغيلية.

وأضافت أن البيانات أصبحت بمثابة النفط الجديد في الاقتصاد الحديث، إذ تتيح قراءتها وتحليلها بصورة دقيقة وسريعة تحديد مصادر الهدر داخل المؤسسات، سواء في استهلاك الطاقة اللازمة للتبريد والإضاءة أو في استخدام المواد الخام، بما يساعد على اتخاذ قرارات فورية لخفض الاستهلاك والتكاليف والانبعاثات.

وأكدت أن قياس البصمة الكربونية وإعداد التقارير البيئية لا يكفيان وحدهما لتحقيق قيمة اقتصادية، موضحة أن تسجيل الانبعاثات وإعداد تقارير الإفصاح دون اتخاذ إجراءات عملية لمعالجتها يحول العملية إلى مجرد استيفاء للمتطلبات التنظيمية، بينما تتحقق القيمة الحقيقية عندما تتحول البيانات إلى قرارات تشغيلية واستثمارية تسهم في تحسين الأداء وتحقيق عوائد اقتصادية.

5 أدوار للتقنيات الرقمية في تعزيز الاستدامة

وفي استعراضها لأبرز التطبيقات الرقمية التي يمكن للشركات الاستفادة منها، أوضحت الأنصاري أن الأدوات التكنولوجية متعددة، ولا تقتصر على استخدام الذكاء الاصطناعي أو إجراء تحول رقمي شامل، وإنما يجب اختيار الأدوات وفقًا لطبيعة النشاط واحتياجات كل مؤسسة، سواء من خلال الاستعانة بالحلول المتاحة أو بناء قدرات داخلية وتدريب فرق العمل على استخدامها.

وأشارت إلى أن الأدوات التنبؤية تأتي في مقدمة هذه التطبيقات، إذ تتيح تحليل كميات ضخمة من البيانات، واستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالسيناريوهات المستقبلية، وتقييم تأثير المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية على أنشطة الشركات وسلاسل الإمداد.

وضربت مثالًا بإمكانية استخدام هذه الأدوات للتنبؤ بتأثير الاضطرابات المحتملة في مضيق هرمز على حركة التجارة وسلاسل الإمداد، أو تقدير انعكاسات زيادة الرسوم الكربونية المرتبطة بالنقل البحري، بما يساعد الشركات على الاستعداد للمخاطر واتخاذ قرارات استباقية تحد من الخسائر وتحافظ على تنافسيتها.

وأضافت أن الأدوات القائمة على الرصد والكشف تمثل عنصرًا أساسيًا آخر، خاصة أن حساب الانبعاثات الكربونية يعتمد في كثير من الأحيان على افتراضات ومعاملات تقديرية للانبعاثات، وهو ما يجعل التحقق من دقة البيانات أمرًا ضروريًا لضمان موثوقية النتائج.

وكشفت عن عملها حاليًا خبيرة للكربون مع غرفة التجارة الدولية، ضمن جهود تستهدف تطوير إطار جديد لقياس الانبعاثات الكربونية، بما يسمح بإجراء مقارنات أكثر دقة بين المنتجات الصناعية، مثل مقارنة طن من الحديد المنتج في مصر بطن آخر منتج في الهند، وتحديد مستوى التنافسية البيئية لكل منهما استنادًا إلى بيانات فعلية وموثوقة.

وأكدت أن الاعتماد على التقديرات وحدها لتحديد حجم الانبعاثات لا يوفر صورة دقيقة عن الأداء البيئي، مشددة على أهمية توظيف إنترنت الأشياء وأجهزة الاستشعار وتقنيات الرؤية الحاسوبية لرصد العمليات الصناعية ومتابعة مصادر الانبعاثات بصورة مباشرة، والتحقق من البيانات قبل استخدامها في اتخاذ القرارات.

شارك الخبر

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة