مدبولي: استراتيجية متكاملة لجذب الاستثمارات الصناعية القائمة على التكنولوجيا الحديثة
أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الدولة المصرية تواصل تنفيذ استراتيجية متكاملة لجذب ...
تُسرّع مصر خطواتها نحو التحول الأخضر،مع انتقال قضايا المناخ والبيئة تدريجيًا من إطار السياسات البيئية إلى صميم الأمن الاقتصادي، وأمن الطاقة والمياه، وجذب الاستثمارات، وتعزيز تنافسية الصناعة والصادرات.
وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة وإعادة استخدام المياه، وتطوير أدوات التمويل المستدام، إلى جانب إطلاق نظام التقييم المتكامل والرقمي للأثر البيئي (IDEIA) ضمن برنامج الصناعات الخضراء المستدامة (GSI)، الذي تبلغ قيمة تمويله نحو 271 مليون يورو.
ووفقًا لـبنك التنمية الأفريقي، ارتفعت قدرات طاقة الرياح في مصر بنسبة 16.3% خلال عام 2024، بينما وصلت الطاقة السنوية لمشروعات معالجة المياه وإعادة استخدامها إلى نحو 4.8 مليار متر مكعب، بما يعكس اتساع نطاق الاستثمار في البنية التحتية المرتبطة بالتحول الأخضر.
الطاقة المتجددة ..أمن الإمدادات في قلب التحول
أضافت مصر 309 ميجاوات إلى قدرات طاقة الرياح خلال عام 2024، لترتفع القدرات الإجمالية إلى 2,199 ميجاوات، مقارنة بنحو 1,890 ميجاوات في العام السابق، وفقًا لتقرير حكومي.
وتستهدف مصر رفع حصة الطاقة المتجددة من إجمالي توليد الكهرباء إلى أكثر من 42% بحلول عام 2030، وتجاوز 60% بحلول عام 2040.
ويأتي التوسع في الطاقة المتجددة مع ارتفاع الطلب على الكهرباء بفعل النمو السكاني والنشاط الصناعي، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى الحد من الضغوط الاقتصادية المرتبطة بواردات الطاقة وتعزيز الإمدادات المحلية.
ويمكن لمصادر الطاقة المتجددة أن تسهم في تنويع مزيج الطاقة، إلا أن زيادة قدرات التوليد تتطلب استثمارات في شبكات نقل الكهرباء وإدارة الشبكة وتخزين الطاقة وتحقيق التوازن بين العرض والطلب.
المياه.. من تحدٍ بيئي إلى أولوية اقتصادية
في المقابل، يفرض أمن المياه تحديًا أكثر إلحاحًا، إذ انخفض نصيب الفرد من المياه في مصر إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا، أي أقل من نصف حد الـ1,000 متر مكعب المستخدم على نطاق واسع لتحديد حالة الفقر المائي، وفقًا للتقرير الحكومي.
وتشمل الاستجابة لهذا التحدي مشروعات معالجة مياه الصرف، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وتحلية مياه البحر، ورفع كفاءة نظم الري.
وبلغت الطاقة السنوية لمشروعات معالجة المياه وإعادة استخدامها نحو 4.8 مليار متر مكعب، بما يجعل البنية التحتية للمياه أداة تستهدف حماية الإنتاج الزراعي والتنمية الحضرية والنشاط الصناعي.
271 مليون يورو لدفع الصناعة الخضراء
وفي إطار دعم هذه التحولات، أطلقت مصر نظام التقييم المتكامل والرقمي للأثر البيئي (IDEIA) ضمن برنامج الصناعات الخضراء المستدامة، الذي يبلغ إجمالي تمويله نحو 271 مليون يورو بمشاركة شركاء التنمية الدوليين والحكومة المصرية.
ويستهدف النظام تسريع الاستثمارات الخضراء من خلال تبسيط إجراءات الحصول على الموافقات البيئية، والتحول من الإجراءات الورقية إلى الرقمية، وتعزيز الشفافية والحوكمة.
IDEIA.. الموافقات البيئية تدخل العصر الرقمي
قال محمد فريد صالح وزير الاستثمار والتجارة الخارجية إن نظام IDEIA سيسرّع خدمات تقييم الأثر البيئي، من خلال تمكين المستثمرين من تقديم طلبات المشروعات إلكترونيًا ومتابعة مراحلها، بما يقلل الوقت والجهد اللازمين لاستكمال الإجراءات.
كما يتيح الربط الإلكتروني بين الجهات المعنية بتقييم الأثر البيئي وإصدار التراخيص والموافقات إنشاء قاعدة بيانات مركزية للمشروعات، توفر لصانعي السياسات بيانات دقيقة ومحدثة تساعد على تحديد القطاعات ذات الأولوية والفرص الاستثمارية.
ويأتي النظام ضمن منصة الكيانات الاقتصادية في مصر، التي تستهدف تبسيط الإجراءات والتراخيص والتصاريح أمام المستثمرين وتيسير الاستثمارات المحلية والأجنبية.
كما يتيح لمطوري المشروعات وشركات الاستشارات المعتمدة تقديم الدراسات البيئية وطلبات الموافقة إلكترونيًا، بينما يمكن لجهاز شؤون البيئة إدارة عمليات المراجعة والتقييم والموافقات ومتابعة الطلبات من خلال قاعدة بيانات مركزية.
التحول الأخضر يفتح بابًا أوسع للاستثمار
ويؤدي التوسع في البنية التحتية الخضراء إلى تنامي دور التمويل الخاص وتمويل مؤسسات التنمية.
وقد جذبت مصر رؤوس أموال دولية إلى مشروعات كبرى للطاقة المتجددة، من بينها مشروع لطاقة الرياح في خليج السويس بقدرة 1.1 جيجاوات، حصل في عام 2024 على تمويل بقيمة 275 مليون دولار من مؤسسات مالية دولية.
وتبرز هذه التجربة أهمية توافر هياكل تمويل قابلة للتمويل، وشبكات نقل موثوقة، وأطر تنظيمية داعمة، وإمكانية الحصول على رؤوس أموال طويلة الأجل بتكلفة مناسبة.
الكربون يدخل حسابات الصادرات المصرية
ولا يرتبط التحول الأخضر بأمن الطاقة والمياه فقط، بل يمتد بصورة متزايدة إلى القدرة التنافسية للصناعة والصادرات.
وأشار وزير الاستثمار والتجارة الخارجية إلى التقدم في تطوير أول سوق طوعية منظمة وخاضعة للإشراف لتداول الكربون، مؤكدًا أن حساب البصمة الكربونية أصبح أكثر أهمية بالنسبة لتنافسية الصادرات المصرية وقدرة الشركات على تلبية المتطلبات البيئية في الأسواق العالمية.
ودخلت آلية تعديل حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي (CBAM) حيز التشغيل الكامل في يناير 2026، ما يزيد الضغوط على مصدري المنتجات كثيفة الانبعاثات.
وحذر معهد التخطيط القومي من أن إجراءات فرض تكلفة الكربون على الحدود قد تؤثر في القدرة التنافسية لصادرات مثل الأسمدة، ما لم يعمل المنتجون على تحسين كفاءة استخدام الطاقة، والاعتماد على كهرباء أنظف، وإنشاء أنظمة موثوقة لقياس الانبعاثات.
ومع تحول المتطلبات المرتبطة بالكربون إلى جزء من التجارة العالمية، أصبحت بيانات الانبعاثات وكفاءة استخدام الطاقة اعتبارات تجارية متزايدة الأهمية.
التمويل المستدام.. أداة جديدة لجذب رأس المال
وتعمل مصر على تطوير أدوات تستهدف جذب الاستثمارات المستدامة، من بينها سوق طوعية للكربون وإطار للتمويل المستدام.
وبدأ البنك المركزي المصري في أغسطس 2025 العمل على تطوير تصنيف للتمويل المستدام، بهدف وضع معايير موحدة للأنشطة المستدامة بيئيًا واجتماعيًا، ومنح المؤسسات المالية والمستثمرين مزيدًا من الوضوح بشأن المشروعات المؤهلة للتمويل.
كما تسعى الحكومة إلى تعزيز مشاركة القطاع الخاص، ونقل التكنولوجيا، والتعاون مع مؤسسات التمويل الدولية في المرحلة المقبلة من التحول الأخضر.
الطاقة والمياه والغذاء.. معادلة واحدة
وتتجه مصر إلى التعامل مع الطاقة والمياه والغذاء باعتبارها مجالات مترابطة، وليس مسارات منفصلة للسياسات العامة.
فإنتاج الطاقة يؤثر في توافر المياه، وأمن المياه يؤثر في الزراعة، بينما تؤثر الزراعة في واردات الغذاء واحتياطيات النقد الأجنبي، كما يؤثر استهلاك الطاقة في القطاع الصناعي بصورة متزايدة في القدرة التنافسية للصادرات.
وتستهدف منصة الترابط بين المياه والغذاء والطاقة (NWFE)، التي أُطلقت عام 2022، الربط بين هذه المجالات وتعبئة المنح والتمويل الميسر وأدوات الدين ورؤوس الأموال الخاصة لتمويل مشروعات قابلة للاستثمار.
النقل والمخلفات والسواحل.. التحول الأخضر يتسع
ولا تقتصر الأجندة الخضراء المصرية على الطاقة والمياه، إذ توسع نطاق النقل العام الكهربائي من خلال مشروعات المترو والمونوريل والقطار الكهربائي الخفيف والقطار فائق السرعة وأنظمة النقل السريع بالحافلات.
كما تركز البرامج الصناعية بصورة متزايدة على خفض التلوث، والهيدروجين منخفض الكربون، وسوق الكربون الطوعية المنظمة.
وفي قطاع المخلفات، استكملت مصر وسلمت 29 مدفنًا صحيًا و19 محطة وسيطة ثابتة في عدد من المحافظات خلال عام 2024.
وأنفقت الحكومة نحو 4.2 مليار جنيه لحماية 210 كيلومترات من السواحل من التآكل وارتفاع مستوى سطح البحر.
التحدي المقبل.. تحويل الاستثمارات إلى قيمة اقتصادية
ورغم اتساع نطاق البنية التحتية الخضراء، لا يزال التمويل والتكنولوجيا والتنفيذ من أبرز التحديات.
ويمكن لمشروعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية للمياه والنقل الكهربائي وإدارة المخلفات أن تولد طلبًا على قطاعات الإنشاءات والهندسة والخدمات الفنية، بينما يرتبط العائد الاقتصادي طويل الأجل بتعزيز سلاسل التوريد المحلية وقدرات العمالة والكوادر الفنية.
كما يمكن لنقل التكنولوجيا وزيادة التصنيع المحلي أن يساعدا الاقتصادات الأفريقية على الاستحواذ على حصة أكبر من القيمة الناتجة عن التحول الأخضر، بدلًا من الاعتماد بدرجة كبيرة على المعدات المستوردة والخبرات الخارجية.
ويدعو التقرير الحكومي إلى الانتقال من تعدد المبادرات المنفصلة إلى مزيد من التكامل، وإلى قياس أكثر منهجية لتأثير هذه المبادرات على المستويين الاقتصادي والبيئي.
مصر أمام مرحلة جديدة من التحول الأخضر
تعكس التحركات المصرية اتساع نطاق التحول الأخضر من مشروعات منفردة إلى مسار أكثر ارتباطًا بالمرونة الاقتصادية وأمن الموارد والقدرة التنافسية.
فالطاقة المتجددة تسهم في تنويع إمدادات الكهرباء، وإعادة استخدام المياه تدعم حماية الموارد الشحيحة، والإنتاج الصناعي الأنظف يرتبط بفرص النفاذ إلى الأسواق التصديرية، بينما تستهدف مشروعات التكيف الحد من التعرض لخسائر مستقبلية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تطوير أنظمة مالية أقوى، وبنية تحتية موثوقة، وأطر تنظيمية ذات مصداقية، وآليات أفضل لقياس الانبعاثات والأثر، إلى جانب نقل التكنولوجيا وتعزيز مشاركة القطاع الخاص.
وبذلك، لا يتوقف قياس نجاح التحول الأخضر على عدد مشروعات الطاقة المتجددة أو المياه التي يجري تنفيذها، وإنما على مدى نجاح هذه الاستثمارات في رفع الإنتاجية، وتعزيز أمن الموارد، وزيادة قدرة الاقتصاد على الصمود.
أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الدولة المصرية تواصل تنفيذ استراتيجية متكاملة لجذب ...
271 مليون يورو للصناعات الخضراء.. ومنصة رقمية لتسريع الموافقات البيئية ودعم تنافسية الصادرات تُسرّع مصر ...
تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، واستعدادًا لاستقبال العام الدراسي 2026-2027، يواصل صندوق ...
اترك تعليقا